ما إن قرأت خبر زيارة السفيرة الأمريكية لمنزل الدكتور البرادعي، والتي جاءت بعد تصريحات الإدارة الأمريكية حول قضية مقتل الشاب خالد سعيد السكندري وهي التصريحات التي رأي الكثيرون أنها نوع من التدخل السافر في الشئون الداخلية اكتشفت أن هذا الخبر قد احتل صدر الأخبار العالمية بشكل لافت للانتباه وقفزت في ذهني فوراً صورة 'المعلم يعقوب' عندما زاره الجنرال الفرنسي ديزيه ليطمئن علي صحته إثر إصابته بجرح أثناء 'مذبحة بني عدي' التي شارك فيها يعقوب كجندي 'ودليل لقوات الاحتلال' ضد أبناء بلده من 'صعايدة أسيوط' وهي المذبحة التي أسفرت عن إبادة القرية بنسائها وأطفالها وزراعاتها وحيواناتها بشكل بشع أثار استياء كثير من الجنود الفرنسيين أنفسهم.. وتمتمت بيني وبين نفسي فما أشبه الليلة بالبارحة؟!
الزيارة 'الغامضة' التي قامت بها السفيرة الأمريكية.. علي رءوس الأشهاد وتناولتها -كما ذكرت- وكالات الأنباء كأهم خبر في اليومين الماضيين هي التي دفعتني دفعاً للكتابة عن 'مشروع البرادعي' برمته، فهي تأتي تتويجاً لمسيرة طويلة من التصريحات واللقاءات والبيانات تدور كلها في فلك 'الإصلاح' علي الأجندة الأجنبية، بل ومخاطبة 'الأجنبي' ومغازلة مصالحه أضعاف أضعاف مخاطبة 'رجل الشارع' والحديث عن مشاكله.. ولم يقف الأمر عند هذا الحد.. بل لقد حرض 'البرادعي' الإدارات الأجنبية علي 'النظام المصري' علانية، لفرض 'الإصلاح' فرضاً عليه، فلقد قال للجارديان: 'يجب علي الغرب سحب دعمه غير المشروط للأنظمة القمعية التي يعتبرها الغرب الحصن ضد التطرف'.
وفي حواره مع الجارديان أيضاً حذر البرادعي الدول الغربية وعلي رأسها بريطانيا وأمريكا من فقدان مصداقيتها لدي شعوب الشرق الأوسط لأنها تغمض عينيها عن الديمقراطية الزائفة في مصر وتساند أنظمة الحكم الديكتاتورية في الدول العربية بدعوي حماية المصالح الغربية.
لا يمكن لنا أن نفهم زيارة السفيرة الأمريكية لمنزل البرادعي إلا في سياق واحد وهو 'الاحتماء بالأجنبي' و'الاستقواء به'!! مهما كانت تبريرات الزيارة من الجانبين، فرغم أن السفارة الأمريكية أعلنت أنها زيارة عادية في إطار التعرف عن قرب علي 'الشخصيات المصرية التي من الممكن أن يكون لها دور في الحياة السياسية المصرية خلال الفترة المقبلة'.
ورغم تصريح البرادعي بأن اللقاء تم في منزله بناء علي طلب السفراء لمناقشة الأوضاع السياسية المصرية إلا أن أي ساذج لابد أن يري هذه اللقاءات من منظور واحد هو 'الرقص علي إيقاع الأجندة الأمريكية' التي تعيد ترتيب أوضاع الشرق الأوسط من جديد.. نفس الشيء حدث في الماضي في زيارة ديزيه ليعقوب، والتي كان الهدف المعلن لها الاطمئنان علي صحته، لكن يعقوب نصح ديزيه بألا يعقد هدنة في 'جرجا'، وعليه أن يفعل نفس ما فعله في 'بني عدي' وقال له إنني رغم 'جرحي' علي استعداد أن أقوم من فراشي الآن لتنفيذ ذلك فوراً فأنت لا تعرف الصعايدة، وهو نفس الموقف الذي نصح به كليبر في قمع ثورة القاهرة الثانية عندما قال له إن الصلح لن يجدي، بل إن الضرب بيد من حديد هو الذي سيُخضع قادة الثورة ويقضي علي الدهماء.. وبعد أن قام يعقوب بدوره أعطاه كليبر رتبة الجنرال مكافأة له..
المسألة تحتاج إلي وقفة متأملة.. وهادئة وعقلانية.. بل نحن نكتشف أن السيناريو المحكم تتضح ملامحه يوماً بعد يوم.. لقد بدأ البرادعي حملته بضرورة فتح باب الترشح لرئاسة الجمهورية دون قيد أو شرط، وهو مطلب 'الحركة الوطنية المصرية' كلها من قبل أن يأتي البرادعي، بل ومنذ الاستفتاء علي التعديلات الدستورية التي أتاحت لأكثر من مرشح أن يتقدم لانتخابات الرئاسة 'بشروط قاسية' لكن ذلك المطلب الذي أطلقه البرادعي، والتف حوله الكثيرون لم يكن يحتاج بأي حالٍ من الأحوال إلي ذلك الهجوم العدواني علي ثورة يوليو وعبدالناصر، كما أنه لم يكن بحاجة إلي مطالبة 'الغرب' بتقديم يد المساعدة وهو الأمر الذي تطور إلي توجيه النصائح المجانية لـ'الأجنبي' تماماً كما فعل المعلم يعقوب، والذي وصل إلي أعلي درجاته عندما استقبل السفيرة الأمريكية والسفير البريطاني معلناً وبقوة 'المحمي بالأجنبي' أنه طرف يمكن التحاور معه ويمكن عقد الاتفاقات مع الدول الكبري.
المثير للضحك في تصريحات السفارة الأمريكية هو إعلانها أن الزيارة جاءت للتعرف من قريب 'علي الشخصيات المصرية'.
وكأن البرادعي غريب عن الولايات المتحدة التي دعمت ترشيحه 'هو بالذات' في وكالة الطاقة النووية، والتي دفعت وبقوة من أجل حصوله علي جائزة نوبل، حتي عندما تأزمت العلاقة بينه وبين أمريكا في آخر انتخابات خاضها يعلم الجميع أن اجتماعاً مطولاً جري بينه وبين 'الآنسة كونداليزا رايس' وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، والذي لا يعلم أحد تفاصيله أو تفاصيل الصفقات المتبادلة التي تمت بينهما خاصة أن هذا الاجتماع تم بعد تصريحاته بأن 'أمريكا أساءت استغلال المعلومات عن أسلحة الدمار الشامل التي قدمتها الوكالة' وهو الموقف الذي مازال يعتبره الكثيرون أنه سهَّل عملية الحرب الأمريكية علي العراق وأوجد مبرراً -معلناً- لها.. المهم أن اجتماع 'رايس والبرادعي' الغامش فتح الباب أمامه مرة أخري للترشح والنجاح في وكالة الطاقة الذرية، فهل تحتاج أمريكا إلي لقاءات تعارف معه كما أعلنت السفارة أم هو 'إعلان رمزي' أمريكي بأن 'البرادعي' تحت حمايتها؟ لا يمكننا إلا أن نفسر هذه الزيارة بغير هذا التفسير الواضح لكل ذي عينين خاصة بعد تصريحاته النارية التي طالب فيها الغرب بالضغط علي الإدارة المصرية لتحقيق ديمقراطية حقيقية، واحترام حقوق الإنسان كما أن ذلك يأتي بعد انفضاض الكثيرين من أعضاء 'جبهة التغيير' عنه وانتقادهم العلني 'لمبدأ الاستقواء بالأجنبي' وانحسار 'الوهج' عن صورته الجماهيرية
خاصة أن المواطن البسيط يرفض دائماً الارتباط بالأجنبي أو التمسح به وتاريخنا مليء بالمواقف الشعبية الغارقة في هذا الموضوع، فقد لبس الشعب المصري السواد، وأعلن الحداد الشعبي عندما أصدر القاضي الإنجليزي قرار إعدام 'إبراهيم الورداني' الذي اغتال بطرس غالي صديق الإنجليز.. نفس الشيء فعلته الكنيسة المصرية الوطنية عندما أصدر البابا قراره بطرد 'يعقوب' من الكنيسة، نتيجة تعامله مع الفرنسيين ومحاولته الاستقواء بالمحتلين وإجبار 'البابا' علي منحه البركة وإقامة طقوس التناول التي كان محروماً منها لأسباب كنسية، ورغم دخوله إلي حرم الكنيسة راكباً جواداً وفي كامل سلاحه، أصر البابا علي طرده غير عابئ بمن يحميه.
المواطن المصري يتقزز دوماً من هذه النماذج.. ويرفضها وينفضّ من حولها.. لكن الدكتور البرادعي الذي قضي أغلب عمره بين المنظمات والجمعيات والمراكز الدولية والأمريكية لا يعرف 'الوجدان المصري' ويعتقد أنه يستطيع بالاعتماد علي 'الحماية الأمريكية' التي شملته علانية بزيارة السيدة سفيرة أمريكا أن يصل إلي الحكم عبر الانترنت!! ورسائل الموبايل..
نعم إن مطلب 'الإصلاح السياسي' مطلب جماهيري وطني، والإصلاح الاجتماعي هدف الفصائل الوطنية ورفض التزوير والمطالبة بإلغاء قانون الطوارئ هدف القوي السياسية الفاعلة منذ أن فرضه السادات وحتي الآن، وهو علي رأس الأجندة المصرية الوطنية.. ولكنه يحتاج منا الالتفاف والتوحد لمواجهة فساد الحزب الوطني وفرض الإصلاحات الديمقراطية والاجتماعية علي حكومته من خلال نضال حقيقي بين جماهير الشعب العامل ووسط أبنائه من العمال والفلاحين وهو ما يقوم به الكثير من أطراف الحركة السياسية المصرية، لكن لا شأن لأمريكا أو بريطانيا أو المجتمع الدولي بما يحدث علي أرض مصر، لأن مصر ليست تحت وصاية أحد وتاريخها يؤكد ذلك وأي محاولة لفرض هذه الوصاية ستقابل من 'الضمير الوطني' بالرفض والأمثلة كثيرة..
ولنذكر هنا في الختام مصير المعلم يعقوب الذي ذكرنا به الدكتور البرادعي، فلقد قرر 'المسكين' عندما وجد بنفسه أن قوات الفرنسيين تخرج من هزيمة لتدخل إلي هزيمة وعندما قرر 'مينو' الرحيل، عرف هو مصيره، فقرر الرحيل مع الحملة، وعندما وافته منيته فوق السفينة أوصي بأن يدفن بجوار صديقه ديزيه، ويروي التاريخ أن قائد السفينة الانجليزي احتفظ بجثمانه في برميل نبيذ وسلمه إلي محافظ ميناء طولون، ومعه الوصية، وعندما أرسل المحافظ وصية 'يعقوب' لنابليون الذي كان يحكم فرنسا طالباً منه تحقيق وصية 'جنرال في الجيش الفرنسي' رد عليه نابليون بقوله: 'إدفنه في أي مكان تشاء، ففرنسا لا تدفن الخونة مع أبطالها' هكذا ينظر المستعمر والأجنبي إلي المتعاونين معه، فهل يتعظ الذين يستقوون بالخارج؟
بقلم أسامة عفيفي
جريدة الاسبوع فى 7 يوليو 2012
No comments:
Post a Comment