يأتي ليدب علي الأرض بأقدامه الغليظة: لا تراه ولا تسمع وقع خطواته ولكنك تشعر أنه هنا.. ليس فقط لأنك تري آثار وجوده بعد أن يتم مهمته، ولكن لأن رائحته التي لا رائحة لها.. تسبق حضوره بقليل، رائحة لا رائحة لها!! كيف نشعر بها إذن؟! إنها أشبه بالرائحة التي تحتل الرئتين قبل وقوع الخطر أو الكارثة تشعر بها في رئتيك.. ثقيلة.. تنطلق مع الدم.. تسري في الشرايين.. تحتل القلب فينقبض..
وتشعر بطعم الموت أسفل اللسان.. تغمض عينيك للحظة وتفتحهما فإذا بعزيز لديك قد فارق الحياة.. الأسبوع الماضي كانت رائحته تحيطني من كل جانب، نفس الرائحة التي حاصرتني يوم رحيل جدي، وجدتي، وخالي.. نفس الهواء الثقيل الذي هيمن علي صدري يوم رحيل أبي.. ويوم رحيل عبدالناصر، وفجر اغتيال صدام.. هذه الرائحة التي لا رائحة لها أحاطتني من كل جانب.. فإذا أغمضت عيني من ثقل الهواء القابض علي روحي اكتشف بعد أن افتحهما رحيل عزيز.
أغمضتهما لأقل من لحظة، فإذا بمئات الأطفال يستشهدون في حضانات الرضع التي قطع عنها العدو النذل الكهرباء في غزة.. ورأيت نساء يصرخن رعبا من جوع أبنائهن بعد أن توقفت المخابز عن إنتاج الخبز نتيجة الحصار المنحط الذي يمارسه العدو العنصري بينما تكمل السلطات العربية الحصار علي فلذات أكبادنا وأخواتنا في غزة الباسلة...
أغمضت عيني للحظة وما أن نظرت حواليٌ فإذا بواحد من خيرة كتاب جيله قد فارق الحياة بعد صراع مع مرض لم ينفع في محاصرته معركة الكتاب حول تمويل صندوق العلاج من أمير أو غفير فلقد رحل خيري عبدالجواد في مستشفي التأمين الصحي كما يرحل أبناء الفقراء بعد أن سيطرت الجلطة علي المخ الذي كان مليئا بالمشروعات الفنية والأدبية التي تتجلي من بين حكايات وحواديت أبناء الحواري والقري، رحل، بعد أن كتب عن الموت عشرات القصص الجميلة، لكنه - أي الموت - حاصر شبابه نافذا من ثقوب الاهمال والاستهانة بالإنسان لتهيمن رائحته التي لا رائحة لها علي المكان.
في نفس اليوم دخلت الرائحة نفسها إلي الصدر فإذا بأم زوجتي ترحل بعد مسلسل عبثي مع منظومة تجار الطب التي لا هدف لها إلا الربح، ليريحها ربها من الألم وتغادر هذه الدنيا - مستورة - دون أن يجرح كبرياءها أحد..
لكن رائحته التي لا رائحة لها مازالت تحتل الرئتين، ومازال الشباب والأطفال والنساء يحصدون فرادي وجماعات في بغداد وفلسطين فمتي تتوقف هذه الرائحة العبثية ويعيش الإنسان إنسانا بلا ألم ويرحل عندما يشاء خالقه موفور الكرامة والكبرياء؟!
بقلم أسامة عفيفى
جريدة الإسبوع فى 26 / 1 / 2008
وتشعر بطعم الموت أسفل اللسان.. تغمض عينيك للحظة وتفتحهما فإذا بعزيز لديك قد فارق الحياة.. الأسبوع الماضي كانت رائحته تحيطني من كل جانب، نفس الرائحة التي حاصرتني يوم رحيل جدي، وجدتي، وخالي.. نفس الهواء الثقيل الذي هيمن علي صدري يوم رحيل أبي.. ويوم رحيل عبدالناصر، وفجر اغتيال صدام.. هذه الرائحة التي لا رائحة لها أحاطتني من كل جانب.. فإذا أغمضت عيني من ثقل الهواء القابض علي روحي اكتشف بعد أن افتحهما رحيل عزيز.
أغمضتهما لأقل من لحظة، فإذا بمئات الأطفال يستشهدون في حضانات الرضع التي قطع عنها العدو النذل الكهرباء في غزة.. ورأيت نساء يصرخن رعبا من جوع أبنائهن بعد أن توقفت المخابز عن إنتاج الخبز نتيجة الحصار المنحط الذي يمارسه العدو العنصري بينما تكمل السلطات العربية الحصار علي فلذات أكبادنا وأخواتنا في غزة الباسلة...
أغمضت عيني للحظة وما أن نظرت حواليٌ فإذا بواحد من خيرة كتاب جيله قد فارق الحياة بعد صراع مع مرض لم ينفع في محاصرته معركة الكتاب حول تمويل صندوق العلاج من أمير أو غفير فلقد رحل خيري عبدالجواد في مستشفي التأمين الصحي كما يرحل أبناء الفقراء بعد أن سيطرت الجلطة علي المخ الذي كان مليئا بالمشروعات الفنية والأدبية التي تتجلي من بين حكايات وحواديت أبناء الحواري والقري، رحل، بعد أن كتب عن الموت عشرات القصص الجميلة، لكنه - أي الموت - حاصر شبابه نافذا من ثقوب الاهمال والاستهانة بالإنسان لتهيمن رائحته التي لا رائحة لها علي المكان.
في نفس اليوم دخلت الرائحة نفسها إلي الصدر فإذا بأم زوجتي ترحل بعد مسلسل عبثي مع منظومة تجار الطب التي لا هدف لها إلا الربح، ليريحها ربها من الألم وتغادر هذه الدنيا - مستورة - دون أن يجرح كبرياءها أحد..
لكن رائحته التي لا رائحة لها مازالت تحتل الرئتين، ومازال الشباب والأطفال والنساء يحصدون فرادي وجماعات في بغداد وفلسطين فمتي تتوقف هذه الرائحة العبثية ويعيش الإنسان إنسانا بلا ألم ويرحل عندما يشاء خالقه موفور الكرامة والكبرياء؟!
بقلم أسامة عفيفى
جريدة الإسبوع فى 26 / 1 / 2008
No comments:
Post a Comment