Sunday, July 29, 2012

رؤيا - خرافة الزمن الجميل!!

أعرف أن هذا العنوان سيستفز أصدقائي من مختلف الاتجاهات السياسية والفكرية، فلقد استقر في الوعي العام أن حقبتي الخمسينيات والستينيات تمثلان فردوسا مفقودا في مجالات الحياة المختلفة، وكنت مثلهم أري ذلك حتي وقت قريب، ولكنني وجدت نفسي فجأة أتأمل تلك المقولة: 'أي مقولة الزمن الجميل' وبعد تأمل عميق وجدتني أصرخ صائحا علي غرار صيحة عمنا أرشميدس الشهيرة: 'وجدتها.. وجدتها' فماذا وجدت حقا؟!! المفارقة حدثت عندما سألت نفسي سؤالا غريبا لم أسأله من قبل؟! هل يصبح

الزمن الماضي جميلا لأن ما نعيشه قبيح؟!



ووجدت علم النفس الاجتماعي يجيب إجابة صادمة وهي: عندما يعجز المجتمع عن تحقيق سعادة وكرامة الإنسان.. ينسحب وجدان المجتمع إلي الماضي وينظر إلي كل قديم علي أنه الأجمل.. إنها الرغبة في الإنسحاب من القبح.. إلي الأقل قبحا، علي اعتبار أن الكون يتجه إلي الفساد وعندما يعجز الإنسان علي كبح جماح الفساد يتعلق بأمجاد الماضي.. بل وينسي أي قبح فيه فتجد البعض مشدودا إلي إنجاز الفراعين والحضارة الفرعونية التي ألهت الملوك..



ويتناسي الظلم الاجتماعي، الذي وقع علي الشعب، تجده يتحدث عن رمسيس وخوفو وتحتمس وغيرهم وهو لا يعرف شيئا عن الفلاح الذي كان مقهورا ومظلوما، نفس الشيء حدث في مسلسل 'الملك فاروق'، فلقد قدم الرجل علي أنه نبيل وطيب ولم يظهر في المسلسل 'حافي' واحد من شعب 'الحفاة' الذي حكمه فاروق وكان مشروعه القومي هو 'القضاء علي الحفاء'



ولم يطرح المسلسل مشكلة 'السخرة' التي كان يعاني منها فلاحو الخاصة الملكية الذين كانوا يعملون في أرض الملك الشاسعة دون مقابل الأخطر هو إطلاق مصطلح الزمن الجميل علي 'الحقبة الناصرية' لمجرد أن ما نعيشه ملئ بالتفريط وبالتالي تصبح أطلال التجربة الناصرية حائط مبكي للناصريين والقوميين في حين أننا كنا ننتقد التجربة في حينها، ونري عيوبها القاتلة التي استغلها أعداء الثورة لتقويض التجربة كلها.. وهو ما حدث بالفعل وبالتالي ننظر نحن الناصريين إلي التجربة من خلال إيجابياتها فقط لأن الزمن الحالي ملئ بالإهانة والظلم وهدر الكرامة.



ولأن الواقع قبيح.. يصبح الماضي الناصري 'فردوسا مفقودا' نبكي علي أطلاله دون أي محاولة للتغيير.. بكاء 'العجز' فينطبق علينا قول الإمام الشافعي: 'نعيب زماننا والعيب فينا.. وليس لزماننا عيب سوانا' أي أن مقولة 'الزمن الجميل' مقولة رجعية.. تصدر عن عجز النخبة في تغيير الواقع.. أي أنها خرافة صدقناها لنستر عجزنا العاجز.. 'فالزمن الجميل' ليس جميلا تماما كما تروج تلك المقولة!!

بقلم أسامة عفيفى
جريدة الإسبوع 15/ 11 / 2007

No comments:

Post a Comment