Sunday, July 29, 2012

مقدمة كتاب المعلم يعقوب

رغم إجماع مؤرخى التاريخ المصرى الحديث على "خيانته" لتعاونه مع المحتل، ورغم أن وثائق المحتل نفسه قد كشفت دوره فى التآمر على المقاومة الشعبية خلال ثورتى القاهرة الأولى والثانية، إلا أن المعلم يعقوب "قائد ما سمى بـ"الفيلق القبطى" التابع لجيش نابليون مازال محور جدل ونقاش ... فالبعض حاول ويحاول أن يصوره للأجيال الجديدة كرائد للتنوير، وكثائر على الظلم العثمانى والمملوكى، وإنه صاحب رؤية ونظرية ترى إمكانية التحالف مع الفرنسيين لإدخال الديمقراطية والعدالة فى المجتمع العربى ...

ورفع الظلم عن كاهل الإنسان المصرى!!! مع أن الحقيقة غير ذلك تماما، وفى محاولة لوضع الأمور فى نصابها الحقيقى وإظهار الحقيقة حفاظا على ذاكرتنا من التشويش الذى تستهدفه جهات عديدة لأغراض ليست وطنية . . . نعيد نشر هذا الكتاب للعالم الراحل الكبير د. أحمد حسين الصاوى ... والذى الفه فى منتصف الثمانينات للرد على تلك المقولات الزائفة خاصة أن الرجل أعتمد على كثير من الوثائق الإنجليزية والفرنسية التى كشفت دوره منذ ما قبل الإحتلال بل وتعاونه مع المماليك ضد أبناء جلدته المصريين من مسلمين وأقباط، موضحا موقف "الكنيسة المصرية" الوطنى من الإحتلال الفرنسى، وموقفها منه شخصيا منذ تعاونه مع المماليك وحتى تعاونه مع الفرنسيين وخروجه معهم مهاجرا إلى فرنسا بطلب شخصى منه حتى لا يفتك به أبناء وطنه جزاء خيانته لهم.


ورغم أهمية كتاب الدكتور الصاوى إلا إنه لم يستطيع أن ينشره بعد تأليفه، وطبع طبعة محدودة نفذت فى حينها، وأصبح الحصول على نسخة منه أمرا مستحيلا، ولقد أعاد الراحل الكبير رجاء النقاش الإعتبار للكاتب والكتاب عندما أعتمد فى تفنيد رأى لويس عوض عن المعلم يعقوب... ونتيجة لما كتبه رجاء النقاش عن كتاب الدكتور الصاوى بدأ المثقفون يبحثون عنه فى المكتبات بلا جدوى، وإقترحت على عمنا رجاء النقاش أن يعيد نشره فى سلسلة "ذاكرة الكتابة" التى تصدر عن هيئة قصور الثقافة وكان يرأس تحريرها ... فقال لى ضاحكا ... يرحمه الله إنها فى دائرة تخصص سلسلة "ذاكرة الوطن" ومنذ هذه المكالمة وأنا أعتبر أن إعادة إصدار هذا الكتاب إحدى وصايا أستاذنا رجاء النقاش قبل رحيله مباشرة فضلا عن كونه إعتبار لإستاذ الأساتذة د. أحمد حسين الصاوى الذى لم يعد يذكره احد ... ورغم إنه رائد من رواد الإعلام ومؤسس لأغلب أقسام الإعلام فى الوطن العربى، فضلا عن دوره فى التأريخ للطباعة والصحافة.

وترجع أهمية كتاب الدكتور الصاوى "المعلم يعقوب بين الأسطورة والحقيقة" إلى أن الرجل أراد أن يقدم بشكل علمى الحقائق كما هى، وسعى لتمحيص الآراء المختلفة من خلال الوثائق والمراجع والشهادات وخرج بمجموعة من الحقائق الهامة والتى أرى أن أهمها توضيح موقف الكنيسة القبطية المصرى الوطنى من الإحتلال الفرنسى، وإن تسمية جيش يعقوب بأسم "الفيلق القبطى" كان الغرض منه إثارة الفتنة الطائفية فى حين أن الكتاب يكشف لنا بالوثائق أن هذا الفيلق كان يضم مجرمين سابقين من المسلمين والمرتزقة من خارج البلاد من أرمن وأتراك، ,إنه ضم على حد تعبير الجبرتى الذعر والحرافيش من المنسر إلى جانب شزاز النصارى الوافدين، ولفظ "النصارى" فى الأدبيات التاريخية يعنى المسيحيين غير المصريين" فالمسيحيين المصريين كان يطلق عليهم مصطلح "الأقباط" بل أن الدكتور الصاوى يكشف لنا فى كتابه الهام عن دور "المعلم يعقوب" فى العمل مع المماليك فى جمع الضرائب والجزية من الفلاحين والأقباط فى الصعيد، وغلظته وشراسته فى التعامل مع الفلاحين المصريين سواء كانوا مسلمين أم أقباط، ولقد أعتمد الدكتور الصاوى على مرجع قبطى هام هو "تاريخ الأمة القبطية" ليعقوب نخلة روفيله الذى أفرد فصلا خاصا لعلاقة "المعلم يعقوب" بالمماليك ثم الفرنسيين، ولقد تفرد "روفليه" بخبر حرمان الكنيسة للمعلم يعقوب من التناول لأنه خرج عن تعاليم الكنيسة، وأتخذ له "جارية" غير زوجته تشبها بالمماليك...فضلا عن الشكاوى التى كانت ترد إلى الكنيسة من رعاياها الأقباط فى الصعيد من سوء معاملته... يتفرد أيضا "روفيلة" بموقف الكنيسة الوطنى الواضح منه بعد تشكيله للفيلق القبطى بأوامر من نابليون، وإعتبار الكنيسة أن ذلك الموقف تعاون مع ممثل "الكاثوليكية" – نابليون – والذى ترى الكنيسة أنه خروج واضح عن تعاليمها.


الكتاب الذى بين أيدينا يناقش بشكل علمى يعتمد على الوثائق العربية والأجنبية ليحسم بشكل لا يقبل الجدل حقيقة "المعلم يعقوب" الذى يريد البعض الآن أن ينصبه "ثائرا وتنويريا" فى محاولة لطمس الذاكرة الوطنية، وإشاعة مفاهيم غير وطنية منها أن التعاون مع العدو ممكنا بل أن "الخيانة" نفسها يمكن أن تكون وجهة نظر

 - بقلم رئيس التحرير أسامة عفيفي

No comments:

Post a Comment