قليلة هي الأعمال الفنية التي تهزك من الأعماق.. وقليلة جدًا تلك التي تستولي علي بصرك ومشاعرك وروحك فتتسمر أمامها ولا تريد أن تغادرها وتتمني أن تجلس في حضرتها أطول فترة ممكنة.. خاصة عندما تكون «متقنة الصنع» ومستوفية لشروط «البناء».. وتشعرك أن مبدعها قد نضجت أدواته الفنية، بحيث تأتمر فرشاته بأمر روحه وأحاسيسه، فتنقل إليك هذه الفرشاة نفس المشاعر والأحاسيس الروحانية التي أحسها الفنان،
هنا تقوم اللوحة بدورها الحقيقي في «التعبير» و «التأثير».. هذا كله دار في ذهني وأنا أتجول في معرض الفنان السكندري د. محمد شاكر الذي أقامه في قاعة «بيكاسو» والذي ضم مجموعة من الأعمال التصويرية التي تشع بهاءً وروحانية بل لقد استطاع الفنان أن يغوص بفرشاته في العالم بحثًا عما لا يراه الآخرون..
فالفنان والشاعر والموسيقي دائمًا يرون في الحياة من العلاقات الجمالية ما لا يلحظه الإنسان العادي، إنه دائمًا يبحث عن الجوهر وعن روح المشهد، يفتش عن الجمال الكامن فيما وراء الشجرة أو الحارة أو الجبل أو البحر فتأتي أعماله وابداعاته عزف علي ايقاع الروح
بل لقد أحسست أن الفنان محمد شاكر يرسم ملامح عالم «صوفي» مليء بالأسرار الجميلة، والفتوحات المتألقة، وكأنه «يلون» الهواء ويرسم رائحة المكان فأنت في لوحته (زقاق سكندري) مثلاً لا تشعر بجمال وحميمة الزقاق فقط، لكنك تشم رائحته العبقة،
إنه لا يرسم الضوء ولكن يشعرك ببراعته الأدائية بأن المكان في اللوحة هو الذي يشع ضوءًا ونورانية.. حتي عندما يرسم الطبيعة.. تجد أنه لا يعيد انتاجها ولا يرسم «رؤيته لها» لكنه يندمج فيها، ويتوحد معها.. فتتجلي الطبيعة في لوحته وهي معبقة بأريج روحه وميراثه الثقافي والوطني والإيماني،
إنك أمام «ابتهالات لونية» و«معزوفات بصرية» تلمس روحك في ضوء وجمال حتي تجريدياته التي استلهم فيها التراث الإسلامي تشعرك «بصوفية عذبة» تجد نفسك منجذبًا إلي ايقاعها اللطيف الرهيف.. فتسكنك لتطهر روحك من أدران الحياة الصاخبة المليئة بالخلل..
إن لوحات محمد شاكر تعيد اليك نفسك وروحك وهويتك- دون افتعال- في عصر مسخ الهوية والروح الذي تسعي إليه ثقافة العولمة
بقلم أسامة عفيفى
جريدة الموقف العربى
No comments:
Post a Comment